هل أصبحت كورونا مُجــرَّد نزلــــة برد؟

.
هل أصبحت كورونا مُجــرَّد نزلــــة برد؟men-gov الخميس 19 يناير 2023

موجة أُخْرَى شديدة من وباء “كوفيد-19″ تجتاح الصين، ومتحور جديد للمرض ظهر فِي الولايات المتحدة الأميركية، بَيْنَمَا نحن فِي فصل الشتاء البارد الَّذِي هُوَ الموسم المفضل لنشاط فيروس كورونا، فما الَّذِي حدث لـ”كوفيد-19” حَتَّى الآن؟ هل تغير المرض عمّا عرفناه مُنْذُ ظهوره؟ هل أَصْبَحَ أكثر ضراوة أم أقل شدة؟ فِي هَذِهِ المادة تشرح كاثرين وو، كاتبة “ذِي أتلانتك”، الوضع الحالي للفيروس والوباء عالميا.
مَعَ بداية جائحة كورونا، سرعان مَا غامت الأجواء وأنذرت بعواقب وخيمة أسوأها أن هَذَا الفيروس كَانَ جديدا تماما، لَمْ يكن العالم تحصّن بمناعة كافية ضده بعد، وَلَمْ نملك بحوزتنا حينها أي علاجات أَوْ لقاحات، فَضْلًا عَنْ عمليات التشخيص المؤلمة. كشف الفيروس عَنْ أنيابه الحادة حينما تمخضت عَنْهُ فِي بَعْضِ الأحيان أعراض مضت توغل فِي الغرابة والبعد عَنْ نطاق المألوف، وظهر الفيروس حينذاك “كنوع من الضربة القاضية”، وِفْقًا لما صرّحت بِهِ الدكتورة سمر تشافيز، طبيبة الطوارئ فِي جامعة هيوستن بالولايات المتحدة.
فِي البداية، ألمَّت بالمرضى أعراض مُعتادة، كأمراض الجهاز التنفسي، والحمى والسعال وما شابه، غير أن الويلات بدأت تتلاحق بِمُجَرَّدِ أن أسفر المرض عَنْ أعراض مختلفة لَمْ يتوقعها الأطباء، عَلَى غرار الطفح الجلدي والإسهال وضيق التنفس وفقدان حاستَيْ الشم والتذوق. كَانَ كورونا المستجد فيروسا جديدا يصطدم بأجساد الناس بطرق غير معتادة لدرجة لَمْ يكن بوسعنا التغاضي عَنْهَا.
أكثر أعراض كوفيد شيوعا اليوم نجدها أعراضا عادية، مثل التهاب الحلق وسيلان الأنف والاحتقان والعطس والسعال والصداع”.
الآن، بعد مَا يقرب من ثلاث سنوات من الجائحة، انجلى بعض الغموض الَّذِي غشينا فِي البداية وبات الفيروس أكثر أُلفة. تعليقا عَلَى ذَلِكَ، تقول سمر تشافيز: “لو كَانَ ثلاثة مرضى موجودين فِي غرفة واحدة هَذَا الشتاء، أحدهم مصاب بفيروس كورونا، والآخر بنزلة برد، والثالث يعاني من الإنفلونزا، فسيكون من الصعب معرفة الفرق، لِأَنَّ أكثر أعراض كوفيد شيوعا اليوم نجدها أعراضا عادية، مثل التهاب الحلق وسيلان الأنف والاحتقان والعطس والسعال والصداع”. لحُسن الحظ، باتت الأعراض الأشد رعبا، الَّتِي تصدرت عناوين الصحف حينها ونغَّصت صفو حياتنا، قليلة الآن.
طمأنينة خادعة
بمرور الوقت، بدأت الحياة تصفو من شوائب الكدر قليلا، وبدأت وطأة المرض تخف شيئا فشيئا، لدرجة أن المرضى قَد يصابون بالفيروس دون فقدان حاستَيْ الشم والتذوق. فِي بداية الجائحة، اعتقد الأطباء أن الفيروس يصيب الرئتين بصورة أساسية، لكن عَلَى مَدَى شهور ظهرت مؤشرات متزايدة عَلَى أن الفيروس يتغلغل لِيَصِلَ إِلَى أعضاء أُخْرَى فِي الجسم، ويسبب التهابات بأصابع القدم فِي ظاهرة غريبة أطلق عَلَيْهَا العلماء “أصابع قدم كورونا”، وَهِيَ آخر الأعراض الغريبة الَّتِي يتذكرها الناس مُنْذُ فترة طويلة. فِي السياق ذاته، يقول تيم سبيكتور، عالم الأوبئة بكلية كينجز البحثية فِي لندن، إن الأمور بدأت تهدأ، لدرجة أن الحمى الَّتِي تُعَدُّ أحد أشهر أعراض كوفيد التقليدية لَمْ تعد تتصدر قائمة أشهر أعراض كورونا فِي دراسة “ZOE Health”، وَهِيَ مشروع طويل الأمد لتتبع الأعراض يتخذ من المملكة المتحدة مقرا لَهُ.
وَلَكِن وِفْقًا لسبيكتور، لَا يُمْكِنُنَا أن نركن إِلَى هَذِهِ الطمأنينة الخادعة، لأننا مَا زلنا مُعرَّضين لِمُوَاجَهَةِ أمراض قَد تستمر لفترة أطول، وَرُبَّمَا تكون أغرب وأشد خطورة، لكن مَا يبعث عَلَى الاطمئنان أن أعراض “سارس-كوف-2” تردت مترنحة وبدت أقرب إِلَى أعراض الفيروسات الأخرى العادية، وعن هَذَا يقول: “إننا نمضي فِي سبيلنا الآن نَحْوَ مرض أشبه بنزلات البرد”.
تنبأ العديد من الخبراء بِهَذَا المسار مُنْذُ الأيام الأُوْلَى للوباء، معتمدين فِي تنبؤاتهم عَلَى أن زيادة المناعة ضد الفيروس سَوَاء باللقاحات أَوْ عَنْ طَرِيقِ العدوى هِيَ خير وسيلة لترويضه وإحالته إِلَى مجرد مرض بسيط غير خطير، كنزلات البرد أَوْ -فِي أسوأ الأحوال- كالإنفلونزا الموسمية. فمع اكتساب معظم الناس مناعة ضد الفيروس عَلَى نطاق واسع، تستمر شدة الفيروس فِي التراجع تدريجيا، يمكن اعتبار الأمر أشبه بمنحنى يتجه نَحْوَ أقرب نقطة اعتدال.
إِذَا ألقينا الضوء عَلَى مشهد المناعة الَّتِي اكتسبها الأميركيون الآن عَلَى سبيل المثال، فسندرك أن مثل هَذِهِ المرحلة المُستقِرة يمكن بلوغها قَرِيبًا، نتيجة لتلقي مئات الملايين من الناس فِي الولايات المتحدة والعالم كله اللقاحات عدة مرات، حَتَّى إن بعضهم تلقى جرعة مُعززة ثنائية التكافؤ (طُوِّرت لتتناسب بدرجة أفضل مَعَ متحورات أوميكرون الفرعية). بجانب هَذِهِ الجرعات المُعززة، ستكون إصابة الناس بالفيروس لِأَكْثَرِ من مرة هِيَ سبيلنا للنجاة، لأنهم فِي هَذِهِ الحالة يكتسبون مناعة أكبر ضده، وَرُبَّمَا نقترب من مُسْتَوَى يتخلى فِيهِ الفيروس عَنْ قوته ويغدو أشد هدوءا. وَمَعَ ذَلِكَ، لَا يُمْكِنُنَا أن نضمن ذَلِكَ بصورة نهائية، فقد يحدث هَذَا السيناريو وَقَد لَا يحدث أبدا. لكن المسار الَّذِي تبنَّاه كوفيد فِي الآونة الأخيرة قادر عَلَى أن يفعم وجداننا بالأمل، لأنه جاء محملا بالعديد من المؤشرات الإيجابية.
مَا يبعث فينا الأمل أن الوئام بدأ يستقر بيننا وبين الأعراض الَّتِي باتت تميل للانتشار أكثر فِي الخلايا الموجودة أعلى القصبة الهوائية، مَا ساعد العديد من الأعضاء الضعيفة أدنى القصبة الهوائية عَلَى تجنب الإصابة بالفيروس. ورغم أن الفيروس خاض غمار المعركة بمهارة وحذق فِي البداية، فَإِنَّ أعراضه باتت أكثر اعتدالا، وتستمر لمدة أقصر. تزامنت العديد من هَذِهِ التغييرات تقريبا مَعَ وصول المتحور أوميكرون فِي خريف عام 2021، وَرُبَّمَا يعود جزء من هَذَا الفضل إِلَى الفيروس نفسه، فحينما فضَّل أوميكرون ومتحوراته إصابة خلايا الأنف والحلق بَدَلًا مِن خلايا الرئتين، صبَّ ذَلِكَ فِي صالحنا وسهَّل من تشكيلنا لدفاعات مناعية ضد هَذِهِ المتحورات.
فِي السياق ذاته، أَكَّدَ الخبراء أن تراكم الدفاعات المناعية الَّتِي سبقت انتشار المتحور أوميكرون واستمرت حَتَّى بعد ظهوره لعبت دورا مهما فِي هَذِهِ المرحلة، فَضْلًا عَنْ أن اللقاحات والعدوى السابقة يمكنها تَوْفِير حماية كافية لحصار الفيروس بالقرب من الأنف والفم، فيمنعه ذَلِكَ من الانتشار إِلَى أي مكان آخر فِي أنسجة الجسم. تعليقا عَلَى ذَلِكَ، تقول ستايسي شولتز شيري، عالمة الفيروسات بمستشفى سانت جود لأبحاث الأطفال فِي الولايات المتحدة: “سيختلف المرض فِي المقام الأول باختلاف المكان المُصاب بالعدوى، ولأن “سارس-كوف-2″ وقع اختياره عَلَى إصابة مكان تشريحي أشد إحكاما، نجحت أجسادنا فِي محاصرته وتضييق الخناق عَلَيْهِ”.
عَلَى الجانب الآخر، أَدَّى انتقال الفيروس إِلَى أجزاء أصغر من الجسم إِلَى تسريع عملية التطهير من المسبب المرضي (الفيروس) فِي مجرى الهواء، مَا جعله أقل عُرضة للانتقال إِلَى شخص آخر. نلاحظ عَلَى المُسْتَوَى الفردي أن المرض الَّذِي كَانَ بإمكانه أن يتطور إِلَى التهاب رئوي ارتدع عَنْ سبيله المحفوف بالمخاطر وبات يظهر الآن عَلَى هيئة عطاس خفيف يُمْكِنُنَا بالكاد ملاحظته، وأصبح أقل خطرا عَلَى الآخرين. أَمَّا عَلَى المُسْتَوَى الجماعي، فَإِنَّ معدلات الإصابة بالفيروس ودخول المستشفيات والوفاة مَا زَالَتْ لحُسن الحظ مستمرة فِي الانخفاض.
هَذِهِ هِيَ الطريقة الَّتِي تسير بِهَا الأمور عادة مَعَ فيروسات الجهاز التنفسي. فمثلا تكرار الإصابة بالفيروس “المَخلَوِي التنفسي” (RSV) (أحد أكثر أنواع الفيروسات الَّتِي تصيب الجهاز التنفسي شيوعا)، يساعد فِي التخفيف من حِدّة الفيروس تدريجيا إِلَى أَنَّ تغدو أعراضه أكثر اعتدالا مَعَ الوقت، فَضْلًا عَنْ أن فيروس الإنفلونزا يتبنى المسار ذاته، فنتحرر عادة من وطأة قوته الطاغية بعد تلقي اللقاح. ولتأكيد ذَلِكَ، تقول ديان جريفين، عالمة الفيروسات والمناعة فِي جامعة جونز هوبكنز بالولايات المتحدة: “إن الأشخاص القلائل اللَّذِينَ يُصابون بالحصبة بعد تلقي اللقاحات يكونون أقل عُرضة لنقل الفيروس، لِأَنَّ عزيمة الفيروس تتبدد تدريجيا ويتبنى مسارا بسيطا، فتتحول الحصبة إِلَى مجرد حصبة مُعَدّلة”.
مَا يَدْعُو للتفاؤل أَنَّهُ فِي مطلع عام 2022، بدأ متوسط حالات الإصابة بكوفيد يتضاءل من حَيْتُ الشدة ومدة استمرار المرض، لكن إن ألقينا نظرة أكثر واقعية عَلَى الوضع، فسنكتشف أن الأمور لَمْ تستمر عَلَى ذَلِكَ النسق فِي الأشهر الَّتِي تلت ذَلِكَ. وعن هَذَا تقول عالمة الفيروسات شولتز شيري إن تبعات المرض وتأثيره الكامل -بدءا من العدوى الصامتة (الَّتِي تنتقل عَنْ طَرِيقِ أشخاص لَا تظهر عَلَيْهِمْ أعراض المرض)، وصولا إِلَى الإعاقة طويلة الأجل، والإصابة بمرض خطير وَحَتَّى الوفاة- لَا تَزَالُ حاضرة فِي الوقت الحالي وسوف تستمر فِي المستقبل القريب.
عودة القلق
عَلَى الجانب الآخر، لَا يمكن التغاضي عَنْ عوامل أُخْرَى قَد تحدد مكان المريض عَلَى هَذَا الطيف، مِنْهَا تَارِيخ تلقي اللقاح أَوْ نقص المناعة. تؤكد باتريشيا غارسيا، خبيرة الصحة العالمية بجامعة واشنطن، هَذِهِ العوامل، وتضيف عوامل أُخْرَى مِنْهَا العمر والجنس، والعوامل الوراثية، والاعتلالات الصحية الأخرى الَّتِي قَد يعاني مِنْهَا المريض، وَحَتَّى جرعة الفيروس القادم تلعب هِيَ الأخرى دورا فِي ذَلِكَ.
لكي نفهم لِمَاذَا تتكرر الإصابة بالعدوى، من المهم أن ندرك جَيِّدًا أن المتحورات الفيروسية الجديدة تنجح فِي مُراوغة الأجسام المضادة والتهرب مِنْهَا، متسببة فِي مرض أشد خطورة حَتَّى بَيْنَ الشباب والأصحاء، كَمَا يحدث أحيانا مَعَ الإنفلونزا. يَبْدُو أن متحور أوميكرون (BA.2) الَّذِي يُعَدُّ أشد مراوغة للجهاز المناعي من سابقه (BA.1) يتراكم بسرعة أكبر فِي الشعب الهوائية، ويثير إِلَى حدٍّ مَا العديد من الأعراض الأكثر شراسة. فِي الوقت الَّذِي لَا يزال فِيهِ الباحثون يبذلون جهودا فِي سبيل جمع بيانات أكثر عَنْ أحدث متحورات أوميكرون، لاحظتْ شروتي ميهتا، عالمة الأوبئة من جامعة جونز هوبكنز بالولايات المتحدة، بعض الإشارات الَّتِي تدل عَلَى عودة بعض الأعراض المُعدية المعوية -مثل القيء- فِي الظهور مرة أُخْرَى من جديد.
كل هَذَا يترك أمامنا المشهد ضبابيا ومُربِكا بعض الشيء. يقول يوناتان جراد، عالم الأوبئة بجامعة هارفارد، إِذَا كَانَ هُنَاكَ احتمال أن يخضع الفيروس لعملية ترويض ويتحول يوما مَا إِلَى نزلة برد، فَإِنَّ هَذَا الوقت لَمْ يحن بعد، وَذَلِكَ لِأَنَّ “سارس-كوف-2” لَا يزال منتشرا بدرجة أسرع ويعمل بكفاءة أكبر من نزلات البرد العادية. وما دام الفيروس مستمرا عَلَى هَذِهِ الوتيرة، فذاك يَعْنِي أننا مَا زلنا بصدد مواجهة خطر الإصابة بمتحورات جديدة تُخلِّف وراءها أمراضا خطيرة قَد تستمر لمدة طويلة. ورغم ذَلِكَ، ثمة بارقة أمل تَتَمَثَلُ فِي أن الأوبئة السابقة قَد تنطوي عَلَى أدلة تتنبأ بِمَا سَتَؤُولُ إِلَيْهِ الأمور فِيمَا بعد.
تَتَمَثَلُ مشكلتنا الحالية فِي أن “سارس-كوف-2” ليس فيروسا من فيروسات الإنفلونزا، وَالبِتَّالِي لَنْ يتبع القواعد الوبائية ذاتها الَّتِي سبق وتبعتها الإنفلونزا. (رويترز)بخصوص هَذِهِ الأوبئة السابقة، تقول أوبري جوردون، عالمة الأوبئة بجامعة ميشيغان الأميركية، إن كل جائحة من جوائح الإنفلونزا الَّتِي واجهناها فِي القرن الماضي فتكت بنفوس الكثيرين، وَلَمْ تهدأ حِدَّة المرض أَوْ تعود لمستواها الأدنى إلَّا بعد مُدَّة استمرت مَا بَيْنَ عامين إِلَى سبعة أعوام. تَتَمَثَلُ مشكلتنا الحالية فِي أن “سارس-كوف-2” ليس فيروسا من فيروسات الإنفلونزا، وَالبِتَّالِي لَنْ يتبع القواعد الوبائية ذاتها الَّتِي سبق وتبعتها الإنفلونزا، وَلَنْ يلتزم أيضًا بفترة زمنية مماثلة. حَتَّى مَعَ الإنفلونزا، لَا يوجد عدد سحري معين من اللقاحات أَوْ العدوى مَا إن نصل إِلَيْهِ حَتَّى تخف وطأة المرض. وَمَعَ ذَلِكَ، تقول جوردون إننا لحُسن الحظ أَصْبَحَ لدينا الآن عَلَى الأَقَلِّ خلفية عَنْ كيفية بناء مناعة ضد فيروسات كورونا.
إن معرفة توقيت ظهور هَذِهِ الدفاعات المناعية والطريقة الَّتِي تتبناها للعمل قَد تكون مهمة أيضًا. يتبدى الفرق مثلا بَيْنَ لقاحات الإنفلونزا وكوفيد فِي أن الجميع تقريبا قَد سبق وأُصيب بالإنفلونزا أَوْ تلقى اللقاح عَلَى الأَقَلِّ فِي المرحلة الابتدائية، فِي حين لَمْ تظهر لقاحات “سارس-كوف-2″، و”كوفيد-19” إلَّا مؤخرا، لدرجة أن معظم سكان العالم لَمْ يسمعوا عَنْهَا إلَّا بَعْدَمَا وصلوا إِلَى مرحلة البلوغ، وَهِيَ المرحلة الَّتِي يكون فِيهَا الجهاز المناعي أقل مرونة، مَا يجعل من الصعب عَلَى سكان العالم الوصول إِلَى المرحلة الَّتِي ستقل فِيهَا حِدَّة الفيروس نهائيا. لذا يُنذر وضعنا الحالي بِأَنَّ الأمور لَنْ تعود إِلَى مستقرها تماما إلَّا بعد جيل أَوْ جيلين آخرين، أي بَعْدَمَا يغدو معظم الأحياء عَلَى الأَقَلِّ هم أولئك اللَّذِينَ نشأوا مَعَ هَذَا الفيروس ووطّنوا النفس عَلَى وجوده بينهم.
مَا يَدْعُو للخوف بعض الشيء أن كوفيد ربما لَنْ تُطوَى ذكرياته الثقيلة ويلحق بمصير مَن سبقه من الفيروسات، بَلْ يخشى المسؤولون أن يترك وراءه مَا هُوَ أسوأ. تقول عالمة الأوبئة أوبري جوردون معلِّقة عَلَى ذَلِكَ: “اعتقدتُ سابقا أن كوفيد سيكون أقرب إِلَى فيروسات كورونا الَّتِي ينتهي بِهَا المطاف عَلَى هيئة نزلات برد عادية”. غير أن شدة الفيروس لَمْ تنخفض بالصورة الَّتِي كَانَت تأملها مُنْذُ البداية. عِنْدَمَا أجرت جوردون دراسات عَلَى سكان نيكاراغوا (أكبر دول أميركا الوسطى)، اكتشفت أن أفواجا ممن تلقوا تلقيحات ضد فيروس “سارس-كوف-2” أصيبوا رغم ذَلِكَ بالعدوى فِي الموجة الثَّـانِيَة والثالثة، الَّتِي كَانَت -لخيبة أملها- “أشد ضراوة من الإنفلونزا”.
الحياة الطبيعية لَا تَزَالُ بعيدة
وَحَتَّى لو افترضنا أن هَذِهِ الأزمة سَوْفَ تنقشع فِي نهاية المطاف، فَإِنَّ استمرار فيروس كورونا فِي نقل العدوى بِهَذِهِ الحِدّة سيؤدي إِلَى إزهاق العديد من الأرواح متفوقا عَلَى الإنفلونزا ذاتها. ترى جوردون أننا مهما جشّمِنَّا أنفسنا عناء متابعة الفيروس لمعرفة مَتَى سنبلغ النقطة الَّتِي لَنْ نَحْتَاجُ عندها إِلَى أَنَّ نقلق أبدا، فلن ندرك هَذِهِ النقطة إلَّا بعد فوات الأوان، أي بَعْدَمَا ننظر إِلَى الوراء ونهمس لأنفسنا بِأَنَّ الحياة تمضي بوتيرتها المعتادة، واستقرت الأمور أخيرا، وَلَمْ يطرأ شيء يَدْعُو إِلَى القلق طوال السنوات الخمس الماضية. لكن البيانات اللازمة لبلوغ هَذَا الهدف يصعب جمعها يوما بعد آخر، لِأَنَّ الجهود البحثية المسؤولة عَنْ مراقبة أعراض كوفيد المتغيرة واجهت بعض العثرات وانتهى بِهَا المطاف إِلَى طريق مسدود.
يُعَدُّ أقرب مثال عَلَى ذَلِكَ هِيَ دراسة “ZOE Health”، الَّتِي خسرت تمويلها الحكومي فِي العام الماضي، وَلَمْ يسلم من ذَلِكَ أيضًا تطبيقها المسؤول عَنْ مراقبة أعراض كوفيد، الَّذِي ضم فِي كنفه وقت الذروة نَحْوَ 2.4 مليون مستخدم منتظم، لكن بَاتَ لديه الآن 400.000 مشترك فَقَطْ، وَرُبَّمَا مَا زال بعضهم مشتركا للاستفادة من متابعة أحدث الأنظمة الغذائية والتمارين الرياضية. وَمِنْ جانبه، يقول عالم الأوبئة تيم سبيكتور بكلية كينجز البحثية فِي لندن: “أعتقد أن الناس وصلوا إِلَى تِلْكَ المرحلة الَّتِي يهمسون فِيهَا لأنفسهم: حسبنا من ذَلِكَ كله، ولنستأنف سيرنا فِي الحياة”.
واجهت شروتي ميهتا، عالمة الأوبئة من جامعة جونز هوبكنز بالولايات المتحدة عقبات مماثلة فِي بحثها حول كوفيد. فعندما حاولت هِيَ وزملاؤها العثور عَلَى أشخاص لدراستهم فِي الوقت الَّذِي بلغت فِيهِ موجة أوميكرون الذروة، سرعان مَا امتلأت قوائمهم حَتَّى آخرها بالأسماء، فِي حين يعانون الآن من قلة الأعداد رغم انتظارهم مُنْذُ أسابيع لاستكمال دراستهم، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يصلوا إِلَى النسبة المطلوبة، وَلَمْ يبلغوا هدفهم، حَتَّى التسجيل الأسبوعي لدراستهم الطويلة المُتعلِّقة بكوفيد قَد انخفض. تقول ميهتا إن عدد التسجيلات يزداد بِزِيَادَةٍ عدد الحالات، لكنه سرعان مَا يتراجع بِمُجَرَّدِ انحسار الموجة واستقرار الوضع. وإحدى المفارقات أن كوفيد تبدى الآن لبعض المتطوعين مثل نزلات البرد العادية، وَالبِتَّالِي لَمْ يعد يستحق وقتهم.
فِي الوقت الَّذِي لَا تَزَالُ فِيهِ المتحورات الفرعية مستمرة فِي الظهور، متخذة من الصين والولايات المتحدة وأماكن أُخْرَى من العالم موطنا لَهَا، توقفت اللقاحات ثنائية التكافؤ، وازداد بالتبعية عدد دخول الحالات إِلَى المشفى، حَيْتُ يتناوب كلٌّ من “سارس-كوف-2” وفيروس “RSV” والإنفلونزا الأدوار مَعَ بعضهم. ربما أحد أهَمُ الأسباب الَّتِي جعلت الأمور تتفاقم مرة أُخْرَى هِيَ التفاوتات فِي فرص الحصول عَلَى اللقاح وَمَدَى جودته. وأهم سبب فِي ذَلِكَ كله هُوَ تخلي السلطات الصينية عَنْ القيود الصارمة الَّتِي فرضتها لمدة ثلاث سنوات للحفاظ عَلَى “صفر إصابات”، وَهُوَ مَا تسبب فِي خلق فجوات مناعية أكبر.
فِي نهاية المطاف، علينا أن ندرك جَيِّدًا أَنَّهُ مَعَ وجود مثل هَذِهِ الوفيات اليومية الكثيرة، والموجات الَّتِي تداهمنا فجأة فِي غير مواسمها، وهذه الوتيرة من التطور الفيروسي، من الطبيعي أن نهوي إِلَى هَذِهِ الحالة الَّتِي يَبْدُو فِيهَا هدف وصولنا إِلَى نقطة مستقرة لَا يزال بَعِيدًا. وَمِنْ هُنَا، تنهي جوردون، عالمة الأوبئة بجامعة ميشيغان الأميركية، حديثها: “ لَا أعتقد أننا وصلنا إِلَى هَذِهِ النقطة بعد”.

عَنْ الموقع

ان www.men-gov.ma مِنَصَّة مُسْتَقِلَّة شاملة وحديثة تواكب كل مواضيع التدريس والتوجيه وَالتَعْلِيم وَكَذَا اعلانات الوظائف بالمغرب,وَتَضَمَّنَ كذلك مجموعة من الخدمات والوسائل التعليمية التربوية الَّتِي تبسط وتشرح الأشياء الَّتِي يحتاجها التلميذ والطالب و الأستاذ والمدير والباحث عَنْ فرص الشغل سَوَاء كت تابعة لمؤسسات الدولة اوغير تابعة لَهَا ، وَتَجْدُرُ الاشارة إِلَى ان هَذِهِ المنصة لَا تمت باي صلة لِوِزَارَةِ التربية الوَطَنِية والتَّكْوين المهني وَالبَحْث العلمي واي مؤسسة وطنية اخرى.
يستفيد سنويا من منصتنا أكثر من 25 مليون زائر وزائرة من جميع الفئات العمرية .
تمَّ الحرص فِي men-gov.ma عَلَى 4 توابت اساسية :
ـ جودة المضامين المنشورة وصحتها فِي الموقع
ـ سلاسة تصفح الموقع والتنظيم الجيد مِنْ أَجْلِ الحصول عَلَى المعلومة دون عناء البحث
ـ التحديث المستمر للمضامين المنشورة ومواكبة جديد التطورات الَّتِي تطرأ عَلَى المنظومة التربوية
ـ اضافة ميزات وخدمات تعليمية متجددة
لمدة 3 سنوات قدمنا اكثر من 50000 مقالة وازيد من 200 ألف مِلَفّ مِنْ أَجْلِ تطوير دائم لمنصتنا يتناسب وتطلعاتكم, والقادم أجمل إن شاء الله.
⇐ المنصة من برمجة وتطوير men-gov.ma وصيانة DesertiGO
⇐ يمكنك متابعتنا عَلَى وسائل التواصل الاجتماعي ليصلك جديدنا: اضغط هُنَا

À propos du site

men-gov.ma est une plate-forme indépendante complète et moderne qui suit le rythme de tous les sujets d’enseignement, d’orientation et d’éducation, ainsi que des offres d’emploi au Maroc, et comprend également un ensemble de services et de méthodes éducatives qui simplifient et expliquent les choses qui répondent aux besoins de l’étudiant, du professeur, du directeur et du chercheur d’emploi, privé ou public, Il est à noter que cette plateforme n’est pas reliée au ministère de l’Éducation nationale, et de la Formation professionnelle et de la Recherche scientifique, et à tout autre institution.
Chaque année, notre plateforme profite à plus de 25 millions de visiteurs de tous âges.
Sur men-gov.ma, nous avons pris en charge 4 principes:
Qualité et exactitude du contenu publié sur le site
Navigation fluide du site et bonne organisation afin d’obtenir des informations sans prendre la peine de chercher
Mise à jour continue du contenu publié et se tenir au courant des nouveaux développements du système éducatif
Ajout de fonctionnalités et de services éducatifs renouvelables
Depuis 3 ans, nous avons fourni plus de 50 000 articles et plus de 00 000 fichiers pour un développement permanent de notre plateforme qui correspond à vos aspirations, et le suivant est plus beau, si Dieu le veut.
⇐ Plateforme développée par DesertiGO et maintenue par men-gov.ma
⇐ Vous pouvez nous suivre sur les réseaux sociaux pour recevoir nos actualités: cliquez ici Trbwyt1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *