التعلم الذاتي بين الحقيقة والوهم

التعلم الذاتي بين الحقيقة والوهم

 

 الكاتب  : ياسين فريدي

الجريدة التربوية الالكترونية
 
 لَا شَکَّ بأن مختلف المستجدّات التّربوية تركز عَلَى المتعلّم باعتباره محورا للعمليّة التعليميّة التعلّميّة إذ يشكّل التّعلم الذّاتي أَو الرّغبة الذّاتية للتّعلم ركيزة أساسيّة لبناء التّعلّمات وهذا يتماشى مَعَ المقاربة بالكفايات التّي نهجتها بلادنا منذ ميلاد الميثاق الوطني للتّربيّة والتّكوين سنة 1999.
 لكنّ مَا يسمّى بالّتعلم الذّاتي لم ير النّور دَاخِل السّاحة التّربوية ببلادنا بعد هاته الفترة. هَذَا مَا يجعلنا نتساءل أسئلة عَلَى ضوئها نبني مقالنا هَذَا. أَوّلَا مَا المقصود بالتّعلم الذّاتي؟ وماهي الإكراهات التّي يواجهها المتعلّم فِي مَا يسمى بالتّعلّم الذّاتي؟
 وهل المنهَاج الدّراسي المعتمد ببلادنا يشجّع المتعلّم لكي يتعلّم ذاتيا؟ 
يُعرف التعلّم الذاتيّ عَلَى أًنّه اكتساب الفرد للمعلومات، المهارات، والخبرات بصورة ذاتيّة ومُستقلة عن أي مؤسّسة تربويّة وبالاعتماد عَلَى نفسه، إذ تعتبر هَذِهِ العمليّة نشاطاً واعيّاً ينبع عن اقتناع ودوافع داخليّة لَدَى الفرد تحثّه عَلَى تحسين وتطوير شخصيّته، قدراته، ومهاراته عن طريق ممارسة المُتعلّم لمجموعة من الأَنْشِطَة والنّشاطات التّعليميّة بمفرده من مصادر هادفة ومختلفة بعد تشخيصه لغاياته التعليميّة، وصياغة أهدافه، وتحديد الوسائل الملائمة له، بحيث يضع خطّة تعليميّة تتتناسب مَعَ سرعته بالتعلّم، وميوله وتوجّهاته. تماشيا مَعَ هَذَا التّعريف نجد بأن التّعلم الذّاتي الهدف منه هو جعل المتعلّم يتعلّم بِشَكْل ذاتي ومستقل يتماشى مَعَ ميولاته ورغباته واحتياجاته، لكن ببلادنا لم يعط موضوع التعلّم الذّاتي تلك الأهمية إلا أخيرا بسبب تفشّي جائحة كورونا مَا جعل المنظومة التّربويّة تعتمد نمط التّعليم بالتّناوب أي المزاوجة بين التّعليم الحضوري والتّعلّم الذّاتي. لكن اعتماد هَذَا النّمط المسمّى بالتّعليم بالتّناوب جعلنا نتساءل هل فعلا هناك تناوب بين نمطين من التّدريس؟
 فمن خِلالَ الممارسة نجد بأن النّمط المعتمد هو التّعليم الحضوري فقط ولكن بشروط ليست كالمعتاد سيتساءل القارئ قائلا: 
كَيْفَ ذَلِكَ و الوزارة اعتمدت نمط التّعليم بالتّناوب ( تعليم حضوري وتعلم ذاتي)؟
 إجابة عَلَى هَذَا التساؤل سنقدم التوضيحات التالية: مفهوم التّعلّم الذّاتي هو مفهوم قديم بالنّسبة للمنظومة التّربوية فِي بلادنا فِي شِقّه النّظري أمّا ممارسةً فأجزم بأنّ هَذَا هو أَوّل موسم دراسي يتمّ فيه نقاش هَذَا النّمط بِشَكْل جدّي مَا جعل المنظومة التّربوية ككل تواجه مجموعة من الإكراهات والمعيقات نذكرها كالتالي: 
– بالنّسبة للأطر التّربويّة : هناك عائق ابستومولوجيّ يتحدّد فِي معرفة ماهية التّعلم الذّاتي والهدف منه فنجد أنّ هناك خلط بينه وبين الواجبات المنزليّة.. فغالبّا مَا يعطي المدرسّ مجموعة من الواجبات لمتعلّميه و يدرجها ضمن حصص التعلّم الذّاتي، غياب تام لتكوين الأطر التّربويّة يهمّ كيفيّة التّعامل مَعَ هَذَا النّمط من التّدريس، وجود فجوة فِي تحديد مهام وحدود المدرّس تجاه هَذَا النّمط، هل تتبّع ومواكبة التعلّم الذّاتي دَاخِل جداول الحصص الخاصّة باستعمال زمن عمله أم إثقال كاهله بهاته المهام خارج أوقات عمله. مَا جعل الأطر التّربويّة تطرح أكثر من علامة استفهام فِي هَذَا الصّدد. 
– بالنّسبة للمتعلّمين: يواجه العديد من المتعلّمين مشاكل عويصة مَعَ التّفويج وخاصّة فِي المؤسّسات التّي تطبّق فِيهَا الصّيغة التّي يتلقّون فِيهَا تعليما حضوريا لأسبوع ويخصّص الأسبوع الآخر لما يسمى بالتّعلّم الذّاتي؛ ومن هَذِهِ المشاكل نذكر منها: صعوبة تذكّر مَا تلقّوه فِي أسبوع التّعلّم الحضوري بعد المكوث فِي المنازل خِلالَ أسبوع التّعلم الذّاتي، إذ يلجون الأقسام كأنّهم صفحة بيضاء، يحتاجون الكثير لتذكّر مَا تعلّموه، اعتقاد المتعلّم بأنّ حصص التّعلّم الذّاتي عطلة أَو استراحة بيداغوجيّة وبالتّالي لَا يعطي الأهميّة لِهَذَا النّمط من التّعلّم، غياب الحافزيّة الذّاتيّة لَدَى المتعلّميّن تجاه هَذَا النّمط لأن المقرّرات التّي درس فِيهَا المتعلّم طيلة مشواره لَا تنمّي فيه الاستقلاليّة الذّاتية والرّغبة الذّاتية فِي التّعلّم، وجود صعوبة فِي تعامل المتعلّم مَعَ التّعلّمات إذ يجد المتعلّم نفسه مصطدما بمعرفة عالمة لَا يفهمها نظرا لغياب دور المدرّس فِي هَذَا النّمط المتمثّل فِي مهمّة النّقل الدّيداكتيكي للمعرفة العالمة وتحويلها لمعرفة مدرسّة لكي تصبح معرفة مكتسبة. 
بعد ذكرنا للصّعوبات التّي يواجهها كل من المتعلّمين والأطر التّربويّة فِي مَا يخصّ التّعلّم الذّاتي لَا بدّ أن نشير إِلَى المنهَاج الدّراسي وما مدى تكييفه مَعَ هَذَا النّمط القائم عَلَى التّدريس بالتّناوب، إذ نسجل وباستغراب شديد بأنّ المنهَاج الدّراسي لَا يعترف بأيّة خصوصيّة أَو ظرفيّة بل مَا يهمّه هو استكمال برنامجه فِي الأَخِير وبالتّالي نجد بأن عدد الدّروس و الوحدات.. لم يتغيّر بل بقي كَمَا هو الحال عَلَيهِ فِي زمن مَا قبل كورونا.. وهذا مَا جعل التّركيز ينصبّ عَلَى الكمّ دون الاكتراث بالكيف.
 نأخذ مادّة الرياضيّات بالسّلك الابتدائي عَلَى سبيل المثال فالحصص المبرمجة لتدريس درس فِي مادة الرياضيّات من الوحدة الأولى هِيَّ خمس حصص مدّة كل حصّة 55 دقيقة لكن مَعَ اعتماد هَذَا النّمط من التّدريس القائم عَلَى التّدريس بالتّناوب نجد أنّ عدد الحصص تقلّص إِلَى ثلاث حصص وَلَا تتعدّى مدّة الحصّة حضوريّا 30 دقيقة. فبناءاً عَلَى هَذَا المثال نجد بأنّنا أمام تناقض واضح يجعلنا نتساءل كَيْفَ يُمْكِنُنا تحقيق أهداف وكفايات درس خصّصت له برمجة محدّدة فِي المنهَاج الدّراسي ببرمجة أكثر تقزيما تفرضها المرحلة؟ 
لَا يُمْكِنُنا أن ننكر المجهود الذّي قامت به وِزَارَة التّربيّة الوطنيّة فِي إنجاح نمط التّعليم بالتّناوب إذ سخّرت كلّ جهودها من أجل ذَلِكَ باعتماد مسطّحات للتّعليم عن بعد، وبرمجة حصص لتقديم الدّروس عَلَى القنوات التّلفزيّة الَّتِي أعدّها أساتذة ومؤطّرون تربويّون … لكن يبقى هَذَا المجهود غير كافي نظرا للفروقات المجاليّة والاقتصاديّة والسّيكولوجيّة التّي يعيشها المتعلّم المغربي.
 ولكي لَا نبقى حبيسي التّشخيص لَا بدّ أن نقترح بعض الحلول لتجاوز الصّعوبات المذكورة أعلاه المتعلّقة بالتّعلّم الذّاتي:
يَجِبُ التّركيز عَلَى الكفايات الأساسيّة فقط والتّقليص من عدد الوحدات الدّراسية وعدد الدّروس تماشيا مَعَ البرمجة الزّمنيّة المعتمدة فِي نمط التّعليم بالتّناوب، التّركيز عَلَى مواد التّفتح فِي نمط التّعلّم الذّاتي لأنّ المتعلّم يجد نفسه فِي هاته المواد ويتفاعل مَعَهَا وَالبِتَّالِي لن يجد صعوبة فِي تعلّمها بِشَكْل مستقل كالتّربيّة الفنيّة مثلا.. .، تعزيز التّواصل مَعَ أوليّاء أمور المتعلّمين لمواكبتهم فِي حصص التّعلّم الذّاتي، . 
اعتماد حصص خاصّة بتتبّع التّعلّم الذّاتي فِي استعمالات الزّمن الخاصّة بالتّعليم الحضوري، تَوْفِير الوسائل التّكنولوجيّة للأطر التّربويّة وللمتعلّمين الكفيلة بإنجاح نمط التّعلم الذّاتي وتحقيق العدالة المجاليّة.
 
 وَفِي الأَخِير فإنّنا نرى أن عملّية التّعلّم الذّاتي ليست عبارة عن إرسال حزمة كتب إِلَى المتعلّم أَو كتابة ملخّص أَو إنجاز واجب بل هِيَ عمليّة تقتضي التّفاعل مَعَ المتعلّم وإعطائه الفرصة ليقوم بعمل فردي يثبت كفاياته ويقيّم مجهوداته بصورة موضوعيّة تَجْعَلُ منه متعلّمَا مستقلا ومتحلّيا بروح المسؤوليّة ومتشبّعا بفكرة النّقَد البنّاء التّي ستجعل منه مواطنا بملمح ينشده المجتمع والدّولة معا.

عَنْ الموقع

ان men-gov.ma مِنَصَّة مُسْتَقِلَّة شاملة وحديثة تواكب كل مواضيع التدريس والتوجيه وَالتَعْلِيم وكذا اعلانات الوظائف بالمغرب,وَتَضَمَّنَ كذلك مجموعة من الخدمات والوسائل التعليمية التربوية الَّتِي تبسط وتشرح الأشياء الَّتِي يحتاجها التلميذ والطالب و الأستاذ والمدير والباحث عن فرص الشغل سَوَاء كت تابعة لمؤسسات الدولة اوغير تابعة لها ، وتجدر الاشارة إِلَى ان هَذِهِ المنصة لَا تمت باي صلة لوزارة التربية الوَطَنِية والتَّكْوين المهني وَالبَحْث العلمي واي مؤسسة وطنية اخرى.
يستفيد سنويا من منصتنا أكثر من 25 مليون زائر وزائرة من جميع الفئات العمرية .
تم الحرص فِي men-gov.ma عَلَى 4 توابت اساسية :
ـ جودة المضامين المنشورة وصحتها فِي الموقع
ـ سلاسة تصفح الموقع والتنظيم الجيد من أجل الحصول عَلَى المعلومة دون عناء البحث
ـ التحديث المستمر للمضامين المنشورة ومواكبة جديد التطورات الَّتِي تطرأ عَلَى المنظومة التربوية
ـ اضافة ميزات وخدمات تعليمية متجددة
لمدة 3 سنوات قدمنا اكثر من 50000 مقالة وازيد من 200 ألف ملف من اجل تطوير دائم لمنصتنا يتناسب وتطلعاتكم, والقادم أجمل إن شاء الله.
⇐ المنصة من برمجة وتطوير men-gov.ma وصيانة DesertiGO
⇐ يمكنك متابعتنا عَلَى وسائل التواصل الاجتماعي ليصلك جديدنا: اضغط هنا

À propos du site

men-gov.ma est une plate-forme indépendante complète et moderne qui suit le rythme de tous les sujets d’enseignement, d’orientation et d’éducation, ainsi que des offres d’emploi au Maroc, et comprend également un ensemble de services et de méthodes éducatives qui simplifient et expliquent les choses qui répondent aux besoins de l’étudiant, du professeur, du directeur et du chercheur d’emploi, privé ou public, Il est à noter que cette plateforme n’est pas reliée au ministère de l’Éducation nationale, et de la Formation professionnelle et de la Recherche scientifique, et à tout autre institution.
Chaque année, notre plateforme profite à plus de 25 millions de visiteurs de tous âges.
Sur men-gov.ma, nous avons pris en charge 4 principes:
Qualité et exactitude du contenu publié sur le site
Navigation fluide du site et bonne organisation afin d’obtenir des informations sans prendre la peine de chercher
Mise à jour continue du contenu publié et se tenir au courant des nouveaux développements du système éducatif
Ajout de fonctionnalités et de services éducatifs renouvelables
Depuis 3 ans, nous avons fourni plus de 50 000 articles et plus de 00 000 fichiers pour un développement permanent de notre plateforme qui correspond à vos aspirations, et le suivant est plus beau, si Dieu le veut.
⇐ Plateforme développée par DesertiGO et maintenue par men-gov.ma
⇐ Vous pouvez nous suivre sur les réseaux sociaux pour recevoir nos actualités: cliquez ici

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى